الجاحظ
203
المحاسن والأضداد
ولو ركبت ما حرّم اللّه لم يكن * بأقبح عند اللّه ممّا استحلّت قال : وكان بالمدينة رجل قد أعطى جودة الرأي ، ولم يكن فيها من يريد إبرام أمر إلّا شاوره ، فأراد رجل من قريش أن يتزوج ، فأتاه فقال : « أنا أريد أن أضم إليّ أهلا فأشر علي » ، قال : « أفعل تحصن دينك ، وتصن مئونتك ، وإياك والجمال البارع » ، قال : « ولم نهيتني ، وإنما هو نهاية ما يطلب الناس » ؟ قال : « لأنه ما فاق الجمال إلّا لحقه قول » ، أما سمعت قول الشاعر : ولن تصادف مرعى مونقا أبدا * إلّا وجدت به آثار مأكول قيل : وكانت جارية من بنات الملوك تكره التزويج ، فاجتمع عندها نسوة فتذاكرن التزويج ، وقلن لها : « ما يمنعك منه » ؟ قالت : « وما فيه من الخير » ؟ قلن : « وهل لذة العيش إلّا في التزويج » ؟ قالت : « فلتصف كل واحدة منكن ما عندها فيه من الخير حتى اسمع » ؟ فقالت إحداهن : « زوجي عوني في الشدائد ، وهو عائدي دون كل عائد ، إن غضبت عطف ، وإن مرضت لطف » ، قالت : « نعم الشيء هذا » ، قالت الأخرى : « زوجي لما عناني كاف ، ولما اسقمني شاف ، عرقه المسك المعراق ، وعناق كالخلد ، ولا يملّ طول العهد » . قالت : « هذا خير منه » ، قالت الأخرى : « زوجي الشعار حين أبرد ، وأنيسي حين أفرد » . فتزوّجت ، فقلن لها : « يا فلانة ، كيف رأيت » ؟ قالت : « أنعم النعيم ، وسرورا لا يوصف ، ولذة ليس منها خلف » .